Welcome to slarijani!

 

کتابها

آموزگار جاوید

الزام سیاسی

انسان از آغاز تا انجام

فقیهان امامی و عرصه های ولایت فقیه

فلسفه اخلاق در قرن حاضر

فلسفه تحلیلی

معرفت دینی

 

 

مقالات

اعتبار٬تنزیل و جعل

حجّيّةالبيّنة في الموضوعات

دين و قرائت‏پذيرى آن

زندگي نامه آيت الله لاريجاني

فلسفه اخلاق

مبانی مشروعیت حکومتها

معرفت دینی٬یقین گمشده

یادنامه حکیم لاهیجی

 

 

آلبوم عکس

آلبوم شماره ۱

 

حجّيّة البيّنة في الموضوعات - بخش دوم




<<< بخش اول <<<

بسم الله الرحمن الرحیم


المقام الثاني: “البيّنة” في اللغة:

 لا يخفى أنّه لم يحصل بحث لغوي يزيل جميع الشك، وما وجدناه من الكلمات هو ما أفاده في تاج العروس، وفي مفردات الراغب:

 قال في المفردات: (والبيّنة: الدلالة الواضحة، عقليّة كانت أو محسوسة، وسمّي الشاهدان بيّنة، لقوله‏عليه‏السلام: “البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر”).1وقال في تاج العروس عين ما ذكره الراغب، من دون أي تفاوت، والظاهر أخذه منه.2

 ولم أجد في اللغة غير الكلام الراغب والّذي تابعه صاحب تاج العروس. والظاهر من الراغب تسليم أنّ الظاهر من الكلام النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم، هو إطلاق البيّنة على الشاهدين، بحيث تكون البيّنة هي الشاهدين، وإلّا فإن كان محض الإطلاق، كيف استلزم تسمية الشاهدين بيّنة، كما يستفاد من كلامه أيضاً أنّ البيّنة لم تكن ظاهرة في خصوص الشاهدين قبل كلام النبيّ‏صلى الله وعليه وآله وسلم، وهذه نكتة مهمّة تدفع ما احتمله صاحب العناوين من أنّ إطلاق البيّنة، كان يفيد الشاهدين في زمن الشارع، بل قبله.نعم، يبقى تحصيل البيّنة، على ما ادّ عاه الراغب. ونحن ذكرنا كلامه لأجل التأييد، وإلّا فالعمدة هي الاستظهارات من الروايات، كما سيوافيك.

المقام الثالث: في المستفاد من الروايات:

 لا ريب أنّ المستفاد من مجموع الروايات، هو أنّ الظاهر من اللفظ “البيّنة” في عصر الشارع؛ هو الشاهدان خصوصاً في روايات القضاء وأمثالها.هذا، وقد استدلّ غير واحد من الفقهاء بالروايات على هذا المدعى.لذا، نذكر بعض كلماتهم، علاوة على استظهاراتنا من الروايات:

 1. القصّة المعروفة في شهادة خزيمة بن ثابت، والتي جُعِلت شهادتين، حتّى اشتُهِر ب’”ذي الشهادتين”. وقد رويت هذه الرواية عن طريق الخاصّة والعامّة. وقد نقلها في الوسائل عن كلّ من الفقيه والكافي، وسندها في الكافي هو صحيح، على الأصحّ، بناءً على صحة روايات محمد بن عيسى بن عبيد.والرواية هكذا:إنّ النبيّ‏صلى الله وعليه وآله وسلم إبتاع فرساً من أعرابيّ، فأسرع ليقضيه ثمن فرسه، فأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابيّ، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون بأنّ النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم ابتاعها، حتّى زاد بعضهم الأعرابيّ في السَّوم، فنادى الأعرابي فقال: إن كنت مبتاعاً لهذا الفرس فابتعه، وإلاّ بعته، فقام النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم حين سمع الأعرابيّ فقال‏صلى الله وعليه وآله وسلم أو ليس قد ابتعته منك؟! فطفق الناس يلوذون بالنبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم وبالاعرابيّ، وهما يتشاجران، فقال الأعرابي: هلمّ شهيداً يشهد أنّي قد بايعتك، ومن جاء من المسلمين، قال للأعرابي إنّ النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم لم يكن يقول إلّا حقاً، حتّى جاء خزيمة بن ثابت، فاستمع لمراجعة النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم للأعرابي، فقال خزيمة: إنّي أنا أشهد أنّك قد بايعته، فأقبل النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم على خزيمة، فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول اللّه. فجعل رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم شهادة خزيمة بن ثابت شهادتين، وسمّاه ذا الشهادتين.3

 وتقريب الاستدلال بها كما عن قضاء المحقّق ملا علي الكني، هو أنّ قوله‏صلى الله وعليه وآله وسلم: “البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر”؛ هو الّذي أوجب جعل شهادته شهادتين، فكأنّه قد استقرّ في اتكاز المسلمين، بعد كلامه‏صلى الله وعليه وآله وسلم أنّه يحتاج في القضاء إلى شهادتين، وإلّا لم تكن هناك حاجة إلى جعل شهادته شهادتين.4ولا يخفى أنّ هذا الاستدلال متوقف على كون الموجب هو قوله‏صلى الله وعليه وآله وسلم ذلك، لا أصل الحاجة إلى شهادة عدلين، وإلّا فلا دلالة فيها على كون البيّنة هي شهادة عدلين، وعلى أيّ حالٍ، فلا تخلو الرواية عن الدلالة على المراد.

 2. إنكار العامّة على الخاصّة الحكم بشاهد ويمين، كما ورد في عدّة روايات:منها رواية قرب الأسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: سمعت الرضاعليه‏السلام يقول: قال أبوحنيفة لأبي عبداللّه‏عليه‏السلام: تجيزون شهادة واحد ويمين؟ قال: نعم، قضى به رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم قضى به عليّ‏عليه‏السلام بين أظهركم بشاهد ويمين. فتعجّب أبوحنيفة، فقال: أبو عبداللّه‏عليه‏السلام أتعجب من هذا؟ إنّكم تقضون بشاهد واحد، في مائة شاهد. فقال له: لا نفعل، فقال‏عليه‏السلام بلى تبعثون رجلاً واحداً فيسأل عن مائة شاهد، فتجيزون شهادتهم بقوله، وإنّما هو رجل واحد”.5

 وتقريب الاستدلال بهذه الرواية، على نحو سابقتها، بأن كان الموجب لأنكار العامّة ما اشتهر بين المسلمين، من قول رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم: “البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر”، فيدلّ على أنّ البيّنة عندهم هي شهادة العدلين (فما زاد) لا مطلق الحجّة الواضحة وأمثالها، وبه استدلّ أيضاً في قضاء الكني‏قدس سره.6

 3. قصة درع طلحة، المذكورة في رواية صحيحة، وقضاء شريح فيها، والرواية هكذا:محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن ابراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمان بن الحجّاج، قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفرعليه‏السلام: فسألاه عن شاهد ويمين:... ثمّ قال: إنّ عليّاًعليه‏السلام كان قاعداً في المسجد الكوفة، فمرّ به عبداللّه بن قفل التميميّ ومعه درع طلحة، فقال له عليّ‏عليه‏السلام: هذه درع طلحة، أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له عبد اللّه بن قفل: أجل، بيني وبينك قاضيك الّذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحاً، فقال علي‏عليه‏السلام هذه درع طلحة أُخذتْ غلولاً يوم البصرة فقال له شريح: هات على ما تقول بيّنة. فأتاه بالحسن، فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا شاهد واحد، ولا أقضي بشهادة شاهد، حتّى يكون معه آخر، فدعا قنبر، فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك، ولا أقضى بشهادة مملوك، قال فغضب عليّ‏عليه‏السلام، وقال: خذها، فإنّ هذا قضى بجورٍ ثلاث مرّات. قال: فتحوّل شريح، وقال: لا أقضي بين اثنين، حتّى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرّات. فقال له: ويلك -أو ويحك- إنّي لمّا أخبرتك أنّها درع طلحة، أخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هات على ما تقول بيّنة، وقد قال رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم: “حيث ما وجد غلول، أخذ بغير بيّنة”، فقلت: رجل لم يسمع الحديث، فهذه واحدة. ثمّ اتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحد، ولا أقضي بشهادة واحد، حتّى يكون معه آخر، وقد قضى رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان، ثم أتيتك بقنبر، فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك، ولا أقضى بشهادة مملوك، وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً. ثمّ قال: ويلك -أو ويحك- إنّ إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا”.7

 وقد نقلنا هذه الرواية بطولها، لما فيها من الحِكَم والعِبَر ما يرتعد منه القلب: ويجلو فيه البصر. ودلالتها على المقصود واضحة بيّنة؛ فقد طلب شريح البيّنة من علي‏عليه‏السلام، فإذا جاءَه بالحسن‏عليه‏السلام شاهداً، قال: لا أقضي بشاهد واحد، فيُفهم منها أنّ المرتكز في أذهانهم على أنّ البيّنة هي شهادة أزيد من عدلٍ واحد. ثم إذا تأملت، دريت أنّ الإمام‏عليه‏السلام لم ينكر عليه فهمه هذا، وأنّ البيّنة هى شهادة عدلين، بل قال له بأنّ شهادة الواحد العدل مثلاً، مع اليمين، كافية في المقام، ولم ينف الإمام فهمه بمثل “والشاهد الواحد بيّنة”، وهذا نوع تقرير، كما هو الواضح.كما لا يخفى أنّ سند هذه الرواية لا إشكال فيه، لصحة روايات علي بن إبراهيم وإبراهيم بن هاشم، على الأصحّ.

 4. توصيف البيّنة، في بعض الروايات، بالعدول، ومنها: رواية المنصور عن أبي عبد اللّه‏عليه‏السلام، قال: قلت لأبي عبداللّه‏عليه‏السلام، رجل في يده شاة، فجاء رجل فادّعاها، فأقام البيّنة العدول أنّها ولدت عنده، ولم يهب، ولم يبع. وجاء الّذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول أنّها ولدت عنده...”.8

 ولا ريب أنّ توصيف البيّنة بالعدول، يدلّ أوّلاً على أنّ البيّنة في هذه الأخبار ليست مطلق الحجّة. وثانياً على أنّ البيّنة ليست عدلاً واحداً وإلّا لم تُوصف بالعدول كما هو الواضح.9

وقد استدلّ بها كلّ من المحقّق النراقي،10 والمحقّق الكني.11

 5. في تفسير الإمام العسكري‏عليه‏السلام عن آبائه عن امير المؤمنين‏عليهم‏السلام، قال: “كان رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم، إذا تخاصم إليه رجلان، قال للمدّعي: ألَكَ حجّة؟، فإن أقام بيّنة يرضاها ويعرفها، أنفذ الحكم على المدّعى عليه. وإن لم يكن له بيّنة، حلف المدّعى عليه باللّه ما لهذا قبله ذلك الّذي ادّعاه، ولا شي‏ء منه. وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شرّ، قال للشهود...”.12

 ويمكن الاستشهاد بفقرتين من هذا الحديث الشريف:الأولى: وصف البيّنة بالرضاية والمعرفة، فإنّ الظاهر منها حينئذٍ هو كون البيّنة من سنخ الشهود، وإلّا لا يصحّ أو لا يحسن هذا الوصف، فإنّ الحجج الشرعيّة معروفة عنده‏صلى الله وعليه وآله وسلم وعندها لا حاجة إلى مثل هذا الكلام فيه.

 الثانية: قوله‏عليه‏السلام: “وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شرّ”، وواضح أنّ هذا الكلام قسيم كلامه الأوّل “فإن أقام بيّنة يرضاها ويعرفها” فمنها يُعلم أنّ البيّنة هي إقامة الشهود، ومن هذا البيان يظهر جليّاً أنّ الحجّة الواقعة في صدر رواية هي بمعنى الشهود، لا مطلق الحجّة، فتدبّر جيداً واغتنم.

 6. وفي رواية حمران بن أعين، قال “سألت أبا جعفرعليه‏السلام عن جارية لم تدرك، بنت سبع سنين، مع رجل وامرأة، ادّعى الرجل أنّها مملوكة له، وادعت المرأة أنّها ابنتها. فقال‏عليه‏السلام: “قد قضى في هذا عليّ‏عليه‏السلام”.قلت: وما قضى في هذا؟قال‏عليه‏السلام: “كان يقول: الناس كلّهم أحرار، إلّا من أقرّ على نفسه بالرقّ وهو مدرك. ومن أقام بيّنة على من ادّعى من عبدٍ أو أمةٍ، فإنّه يُدفع إليه ويكون له رقّاً. قلت: فما ترى أنت؟

 قال: أرى أن أسأل الّذي ادّعى أنّها مملوكة له، بيّنة على ما ادّعى، فإن أحضر شهوداً يشهدون أنّها مملوكة له لا يعلمونه باع ولا وهب، دفعت الجارية إليه، حتّى تقيم المرأة من يشهد لها أنّ الجارية ابنتها حرّة مثلها، فلتدفع إليها، وتخرج من يد الرجل، قلت: فإن لم يقم الرجل شهوداً أنّها مملوكة له؟ قال: تخرج من يده، فإن أقامت المرأة البيّنة على أنّها ابنتها دفعت إليها. فإن لم يقم الرجل البيّنة على ما ادّعى، ولم تقم المرأة البيّنة على ما ادّعت، خلّي سبيل الجارية، تذهب حيث شاءت”.13

 فإنّ ذيل هذا الكلام كالصّريح في أنّ البيّنة هي الشهود الّذين يُحضرون للشهادة.

 7. وفي رواية عبد اللّه بن سنان، قال سمعت أبا عبد اللّه‏عليه‏السلام يقول: إنّ رجلين اختصما في دابّة إلى علي‏عليه‏السلام، فزعم كلّ واحد منهما أنّها نتجت عنده على مذوده، وأقام كلّ واحد منها البيّنة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين...”.14

 فإنّ توصيف البيّنة بأنّه سواء في العدد، كالصريح في أنّ المراد من البيّنة هي الشهود، لا مطلق الحجّة.

 8. وعن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه‏عليه‏السلام، قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ، أيحقّ للقاضى أن يقضي بقول البيّنة من غير مسألتهم إذا لم يعرفهم؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا بها ظاهر الحكم: الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً، جازت شهادته ولايُسأل عن باطنه...”.15

 ولاريب أنّ إرجاع ضمير الجمع في قول السائل: “إذا لم يعرفهم” إلى البيّنة، يدلّ على أنّ المراد منها هو الشهود، وذيلها يدلّ على ذلك أيضاً.ثمّ إنّ هذه الرواية بهذه الكيفيّة قد وردت في الكافي والتهذيب في موضع منها، وفي موضع آخر، لا تشتمل  على قوله: “من غير مسألة إذا لم يعرفهم” فتسقط حينئذٍ عن الاستدلال بها.16

 9. في رواية أبي بصير، قال: سئل أبو عبد اللّه‏عليه‏السلام عن رجل قذف امرأته بالزنا، وهي خرساء صمّاء لا تسمع ما قال. فقال: “إن كان لها بيّنة يشهدون لها عند الإمام...”.17

 والفعل فيها جاء بصيغة الجمع “يشهدون” وهذا صريح في كون البيّنة ليست مطلق الحجّة بل تعني الشهود.

 10. ومن أدّل الأدلة ما في الباب، ما عن بعض الأئمةعليهم‏السلام، فيمن أقرّ على نفسه بالسرقة، ثمّ عفى عنه الإمام‏عليه‏السلام، فقال:“إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقرّ الرجل على نفسه، فذلك إلى الإمام، إن شاء عفى، وإن شاء قطع...”.18

 كما أنّ هناك روايات أخر بهذا المضمون، ودلالتها على المدّعى بيّنة جداً. فإنّ الإقرار على النفس من الحجج الّتي يؤخذ بها، ومعها نفى الإمام‏عليه‏السلام عنه قيام البيّنة.

 وفي رواية أخرى، فيمن أقرّ بالسرقة: “وإنّما منعه أن يقطعه لأنّه لم تقم عليه البيّنة”.وقد صرّح فيها بعدم قيام البيّنة، مع أنّه قد أقيم الحجّة وهي الإقرار.هذا بعض ما وجدناه في الروايات، ولا ريب في أنّ المتصفّح في الكتب الروائيّة، يجد أضعاف ما مرّ من الشواهد.

 والإنصاف أنّ ما ذكرناه من الشواهد، مضافاً إلى مامرّ من الراغب في مفرداته، لا يبقي مجالاً لما ذكره السيّد الخوئي‏قدس سره من ادّعاء كون البيّنة في الروايات بالمعني اللّغوي.

 وقد استدلّ المحقّق البجنوردي‏قدس سره في قواعده على نفى هذا المدّعى وإثبات كون البيّنة في لسان الروايات بمعنى شهادة عدلين، بعد المدّعى أنّ أحداً من الفقهاء، لم يفهم ذلك من قوله‏صلى الله وعليه وآله وسلم: “البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر”، وقوله‏صلى الله وعليه وآله وسلم: “إنّما أقضى بينكم بالبيّنات والأيمان”.

 وفي تاريخ المدينة في محاجّة فاطمة الزهراءعليهاالسلام على أبي‏بكر، وطلبها فدكاً، جاء ما يدلّ على المقصود، فقد ورد: “فأتته فاطمة رضى الله عنها، فقالت: إنّ رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم أعطاني فدكاً. فقال لها: هل لكِ على هذا بيّنة؟ فجاءت بعلي رضي اللّه عنه فشهد لها. ثمّ جاءت بأمّ أيمن، فقالت: أليس تشهد أنّي من أهل الجنّة؟ قال: بلى... قال أبو أحمد: يعني أنّها قالت ذلك لأبي بكر وعمر... قالت: فاشهد أنّ النبيّ‏صلى الله وعليه وآله وسلم أعطاني فدكاً. فقال أبو بكر:... فبرجل وامرأة تستحقّينها أو تستحقّين بها القضية...”.20

 وفي هذا الكلام شهادة واضحة على أنّ المرتكز في أذهان عصر النبيّ‏صلى الله وعليه وآله وسلم هو كون البيّنة بمعنى شهادة عدلين، لا بمعنى الحجّة المطلقة.

 11. وذيل رواية مسعدة المتقدّمة، لا يخلو عن دلالة على المراد:“والأشياء كلّها على هذا، حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم عليه البيّنة”. فإن كانت البيّنة بمعنى الحجّة الواضحة، كان عطفها على الاستبانة غير وجيه، فإنّ الإستبانة حينئذٍ أيضاً من أفراد قيام البيّنة، بخلاف ما إذا كانت البيّنة بمعنى شهادة العدلين.

 وجاء في القواعد الفقهيّة: “إنّ اليد تكون أمارة شرعيّة إمضائيّة لما عند العقلاء، فإذا ادّعى أحد على صاحب اليد، فتكليفه بالبيّنة لا يفهم منه إلّا شهادة عدلين، وإلّا إن كان المراد مطلق الحجّة -فلو كان سابقاً ملكاً للمدّعي، فاستصحاب ملكيّته حجّة له، بناءً على اعتبار الاستصحاب كما هو كذلك- فلا يحتاج إلى حجّة أُخرى، ففهمهم شهادة شاهدين من ذلك الكلام دليل على انصراف البيّنة إلى ما هو المتبادر منها في تلك الأذهان، وهو شهادة عدلين”.21

 ولا يخفى أنّ هذا الاستدلال يتوقّف على كون الاستصحاب ينظر إلى البيّنة في حد ذاتها، لا بقياسها إلى اليد، وإلّا لكانت محكومة لها، كما هو واضح.والحق أنّ البيّنة يجب أن تكون بيّنة في حدّ نفسها، لا عند تعارضها كما هو الواضح، وعليه يتمّ الاستدلال، فإنّ الاستصحاب، لولا اليد، فإنّه جارٍ في ملكه وهو الحجّة، واليد أيضاً حجّة نافية. فيجب أن يكون الاستصحاب بيّنة، مع أنّه لم يقل أحد بعدم الحاجة فيه إلى قيام الشاهدين، كما هو الواضح.

 ومن جميع ما ذكرنا، يتّضح أنّ لفظ “البيّنة” إمّا منقول عرفاً أو شرعاً، وإمّا منصرف في باب الأحكام والقضاء، إلى شهادة عدلين من دون نقل، فتدبّر جيّداً.

 ثمّ إنّه قد جاء في بعض الروايات عطف “البرهان” على “البيّنة” ولعلّه يوهم دلالته على كون البيّنة بمعناها اللّغوي.ففي صحيحة معاوية بن وهب، الواردة في قصة مفصّلة من قضاء أمير المؤمنين‏عليه‏السلام، جاء: فقال لامرأة الرجل: ألك بيّنة أو برهان؟ قالت: لي شهود، هؤلاء جاراتي يشهدون عليها بما أقول، وأحضرتهن”.22

 وفيه أنّ البرهان، لو سلّم بمعنى غير “البيّنة”، فلا يدلّ على كون البيّنة بمعناها اللّغوي، بل ظاهر العطف ب’”أو”، أنّ معناهما مختلفان، وهذا لا يتمّ إذا كانت البيّنة فيها بمعناها اللّغوي. وإن قيل باتّحاد معناهما، وأنّ التكرار فيه لغو، فالأظهر حينئذٍ كون البرهان بمعنى البيّنة، لا العكس، لأنّه‏عليه‏السلام في مقام القضاء، والواجب حينئذٍ هو إقامة الشهود كما هو المستظهر من لفظ “البيّنة” في الأخبار الأخر المذكورة سابقاً.

 وقد جاء في بعض الأخبار الأخر، توصيف البيّنة ب”العادلة” باللفظ المفرد، كما في رواية الكافي؛ “إن كانت عليه بيّنة عادلة”.23 أو رواية التهذيب: “له بيّنة عادلة على أهل مصر”.24فلا يتوهّم تضادّها مع كون البيّنة هي الشهود، فإنّ الظاهر تبعيّة الوصف هنا، وهو المستفاد من الظاهر اللفظ لا المعنى.

 وبهذا نختم المقال حول المدعيان؛ (1)،(2) من المدعيات الستة السالفة الذكر.ثمّ نبدأ بالمدّعى (3) وهو لزوم إحراز حجّيّة مثل شهادة العدلين من الخارج،وأنّها لا تثبت بنفس هذه الرواية، وهي قوله‏صلى الله وعليه وآله وسلم:“إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان”.

 قلت: لا ريب أنّ “البيّنة” الواقعة في كلامه‏صلى الله وعليه وآله وسلم يُراد منها الشاهدين العدلين فما زاد، فإنّ المتتبّع للأخبار، يقطع بأنّ منشأ انصراف البيّنة إلى الشاهدين العدلين، في نفس كلمات النبي‏صلى الله وعليه وآله وسلم، لو لم يكن ثابتاً من قبل.وقد صرّح الراغب في المفردات بذلك. وحينئذٍ، فلا إشكال في إمكان إحراز حجّيّة شهادة العدلين، من نفس هذه الكلمات، ومن مثل: “البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر”.

 وأمّا مدّعاه الخامس، الّذي أريد به إثبات حجّيّة البيّنة في الموضوعات مطلقاً، لا في مقام القضاء بالخصوص، ففيه؛ أنّ حجّيّة البيّنة في مثل: “إنّما أقضى بينكم بالبيّنات والأيمان”، وإن كان يجب أن يكون محقّقاً قبل نفس القضاء، ولكن ليس معناه عدم اختصاصه بالقضاء، بل الخلط بين هذين الأمرين نوع مغالطة، فإنّ قضاء الرسول الأعظم‏صلى الله وعليه وآله وسلم في الخارج، إن كان بالبيّنات والأيمان، فلا محالة مستنداً إلى حجّيّة البيّنة في مرحلة سابقة عن القضاء، وهذا مسلّم. ولكن ليس معناه أنّ ما هو الحجّة هو البيّنة المطلقة، بل يمكن أن تكون البيّنة الواردة في القضاء خاصّة فاللّه تعالى جعل البيّنة حجّة في مقام القضاء، وقبل قضاء رسول اللّه‏صلى الله وعليه وآله وسلم، فأخبرصلى الله وعليه وآله وسلم بأنّه يقضى بين الناس بالبيّنات والأيمان؛ البيّنات الّتي صارت حجّة في القضاء خاصّة بجعل اللّه في مرتبة سابقة عن هذا القضاء.

 والحاصل أنّه لا تلازم بين الأمرين: حجّيّة البيّنة قبل القضاء، وقبل كلامه‏صلى الله وعليه وآله وسلم هذا، وبين كون البيّنة من الحجج الخاصّة بالقضاء.ثمّ لايخفى أنّ البرهان الّذي ذكره‏قدس سره بالنسبة إلى البيّنة، وإثبات حجّيّتها مطلقاً، يجي‏ء بعينه في الأيمان، وإثبات حجّيّتها مطلقاً، مع أنّ اختصاصها بباب القضاء يعدّ من المسلمات. فإنّه يمكن أن يقال: أنّ قوله‏صلى الله وعليه وآله وسلم “إنّما أقضى بينكم بالبيّنات والأيمان” يستدعي حجّيّة الأيمان في مرحلة سابقة عن القضاء وعن كلامه هذا. وعليه يجب أن يكون الأيمان حجّة مطلقاً، لا في القضاء خاصّة.

 ومن العجب العحائب، ما ذكره في المدعى “6” من أنّ إرداف “الأيمان” ب”البيّنة” يؤيّد كون البيّنة بمعناها اللّغوي، وأنّها الحجّة الواضحة. فكأنّه قال: أقضى بينكم بما يعتبر في خصوص القضاء، وبما هو معتبر في نفسه على نحو الإطلاق. فإنّ عطف الأيمان على البيّنات يثبت أنّه لا دليل على كون البيّنة مطلقاً حجّة، مع أنّ الأيمان ليس بحجّة في مطلق الموضوعات، ولا أدري كيف أنّ هذا الفقيه الماهر، لم يتفطّن إلى هذه النقطة، مضافاً إلى بعد تأييده أيضاً، فإنّ وجه المقابلة بين البيّنات والأيمان ليس منحصراً بما ذكره‏قدس سره، بل الظاهر أنّ وجه التقابل بينهما لاختلافهما ذاتاً ومورداً: فإنّ البيّنة غير يمين، والبيّنة على المدّعى: واليمين على من أنكر. فلا وجه لاستظهار التقابل من جهة اتّحاد الحجّيّة أصلاً.

 فتحصّل أنّه لا مجال لإثبات حجّيّة البيّنة في الموضوعات، بالطريق الّذي ذكره السيّد الخوئي‏قدس سره والحمد للّه.

 الوجه السادس: السيرة العقلائيّة، فإنّ سيرة العقلاء مطبقة على العمل بشهادة عدلين، أو شخصين غير متّهمين، ولا معروفين بالكذب، ولا مغرضين بالنسبة إلى المشهود عليه، فإنّهم يرونها طريقاً مثبتاً لما قامت عليه في أحكامهم العرفيّة بالنسبة إلى جميع الموضوعات. وهذه السيرة لم يردع عنها الشارع، بل أمضاها في كثير من الموارد الخاصّة الّتي تضمّنتها الآيات والروايات، فنستكشف منها حجّيّة البيّنة مطلقاً. نعم خصّصت هذه القاعدة في موارد، كالشهادة على الزنى واللّواط وأمثالهما ممّا لا يُكتفى بشهادة الاثنين فيها، إلّا أنّ هذا التخصيص كغيره لا يمنع عن عموم حجّيّة البيّنة فإنّها قاعدة عامّة قد تخصّص بالدليل كالموارد المذكورة.25 وهذا الوجه غير بعيد قد اعتمده غير واحد من المحقّقين.

 ثمّ هناك أدلّة أخرى قد يتمسّك بها لإثبات عموم حجّيّة البيّنة للموضوعات، وحيث إنّ دلالتها عندي غير تامّة،26 فلا نطيل الكلام في ذكرها كصحيحة حريز، المتضمنة لقول الصادق‏عليه‏السلام: “فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم” وقد تمسّك بها المحقّق النراقي‏قدس سره في عوائده بعد أن كان على عدم حجّيّة البيّنة في الموضوعات منذ أعوام على حدّ تعبيره‏قدس سره.27

 فتحصّل من جميع ما ذكرناه في بحث حجّيّة البيّنة في الموضوعات أنّ عمدة الدليل على حجّيتها أمور ثلاثة: موثقة مسعدة بن صدقة والاستقراء في الأبواب الفقهيّة المختلفة والسيرة العقلائية.

 


1- المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني، ص68
2- تاج العروس، الزبيدي، ج9، ص152
3- وسائل الشيعة، الباب 18 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3
4- كتاب القضاء، المولى علي الكني، ص259
5- وسائل الشيعة، الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 17
6- كتاب القضاء، المولى علي الكني، ص259
7- وسائل الشيعة، الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث6
8- وسائل الشيعة، الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 14
9- وقد وقع التوصيف بالعدول في كثير من الروايات، ومنها: ما في الاستبصار، ج2، ص64؛ والتذهيب، ج4، ص163، والاستبصار، ج2، ص63، والتهذيب، ج4، ص162، وكذا ص157
10- عوائد الأيّام، المحقّق النراقي، ص277
11- كتاب القضاء، المولى علي الكني، ص259
12- وسائل الشيعة، الباب 6 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1
13- وسائل الشيعة، الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 9
14- وسائل الشيعة، الباب 12 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 15
15- وسائل الشيعة، الباب 41 من كتاب الشهادت، الحديث4
16- الكافي، ج7، ص431، الحديث15، التهذيب، ج6، ص288، الحديث798 وص283، الحديث 781، الاستبصار: ج3، ص13، الحديث35 ،من لا يحضره الفقيه، ج3، ص16، الحديث3244
17- من لا يحضره الفقيه، ج4، ص50، الحديث 5073
18- الاستبصار: ج4، ص252
19- الاستبصار: ج4، ص252
20- تاريخ المدينة المنوّرة، ابن شبّة ج1، ص200
21- القواعد الفقهيّة، ج3، ص5
22- التهذيب، ج6، ص308، ح10، وكذلك الكافي: ج7، ص426، الحديث6
23- الكافي، ج7، ص417، الحديث21
24- التهذيب، ج4، ص158، الحديث13
25- القواعد الفقهية، السيّد حسن الموسوي البجنوردي، ج3، ص16
26- وقد أوردها المحقّق المراغي في عناوينه، وأنهاها إلى عشرة وجوه، لكنّه صرّح بعدم خلوّ أكثرها من الخدشة، حيث قال: “وإن كان شي‏ء من هذه الأدلّة لا يخلو عن نظرٍ، ولكن بعد تراكم هذه الأدلّة، وتسليم الأصحاب لها في كلّ باب، لا بأس من الحكم بذلك، وفي هذه الآيات والأخبار الّتي أوردناها كلام من جهات تركناها لعدم نفع تعبّد به” ص380، ط الحجريّة
27- عوائد الأيّام، صص278-276








© کپی رایت توسط slarijani کلیه حقوق مادی و معنوی مربوط و متعلق به این سایت است.)
برداشت مقالات فقط با اجازه کتبی و ذکر منبع امکان پذیر است.

نوشته شده در تاریخ: 1385/9/16 (1719 مشاهده)

[ بازگشت ]